رشيد الخيون يكتب عن تصالح العقل والثروة في الإمارات وجنون عسكرة الإقتصاد والمحاصصة في البصرة..مقالة
كتبهاعمر العزبي ، في 21 آذار 2007 الساعة: 11:11 ص

رشيد الخيون يكتب عن تصالح العقل والثروة في الإمارات وجنون عسكرة الإقتصاد والمحاصصة في البصرة..مقالة رائعة
في مقال تقرأ بين جنبات سطوره الكثير الكثير من الألم والحسرة على ما حل بالعراق من خراب وفساد ..خراب الحرب وفساد النظام الحاكم السابق واللاحق.. كتب االكاتب العراقي المعروف رشيد الخيون ، معبراً عن إعجابه بالتقدم الذي لمسه في دولة الإمارات العربية المتحدة، وما سماه بـ "تصالح العقل والثروة" والذي يقود بالضرورة الى العمران .. يقول الأستاذ خيون في مقالته التي نشرتها صحيفة الشرق الأوسط اليوم تحت عنوان: " دُبي.. ليس كما توقعها عبود الكرخي!" :
" يغلب على الظن أن العراقي الهابط أول مرة في مطار أبوظبي أو دبي لا بد أنه تذكر البصرة: مناخاً وجغرافيا ورائحة الهند. واستذكر مدنه، وهو ينظر إلى ليل دولة الإمارات الزاهي بالأنوار، وهي تلتحف الظلمة مع ما فيها من خصوبة ونِعمة، وبين ما بهذه الصحراء من عمران ونظام وبضاعة واستقرار. بين خلو البصرة من مقهى ونادٍ، مع ما فيها من نِعم لا تحصى، وبين حدائق أبوظبي الغناء ونواديها العامرة، مع جفاء الطبيعة وندرة الماء.
تنتج البصرة وحدها مليوناً وتسعمائة وخمسين ألف برميل نفط يومياً، وهو أقل من المفروض، ولو صب هذا السيل في وادٍ، على مدى شهر، لأصبح الوادي زاباً من زابات العراق المائية. ناهيك من مائها، حيث يتوافد إليها ليملأ شط العرب، وقديماً عُرف بشط التُرك، والأبلة. تُنبيك تلك الأسماء أن الماء كثير وقديم فيها، مثلما هي بساتين النخيل. قال ابن برد (قُتل 167هـ): «الرافدان توافى ماء بحرهما.. إلى الأبلة شرباً غير محضور». وتبعه أعمى المعرة (ت 449هـ) قائلا: «شربنا ماء دجلة خير ماءٍ.. وزرنا أشرف الشجر النخيلا».
كانت المناسبة مؤتمر التعليم بلا حدود، نظمته وزارة التعليم العالي والبحث العلمي بأبوظبي. كنت أنظر في تنوع الوجوه والثياب وبلبلة الألسن، تحت رايات دول العالم كافة. أحضرت كل جماعة نتاجها، وآفاق تطورها التقني. وقدمت الإمارات خبرة 14 كلية تقنية، من التصوير إلى صناعة الأدوات الطبية. حضر المؤتمر حائزو نوبل، وأبرزهم كان ابن البلاد الفقيرة بنغلاديش، التي ليس لها لا ماء البصرة ولا نفطها، أرتقى المنبر بثيابه الوطنية، وكم كان يُذكر بتواضع غاندي، تحدث عن التقنيات الحديثة في التعليم. وصدح مغني الأوبرا الشهير بلاسيدو دومينغو في عمق الصحراء، بتوافق رهيب مع ليل العراء ولحن الحِداء. لا مجال للتبسط في تفاصيل هذه التظاهرة، التي نجح القائمون عليها من التوفيق بين آلاف العقول من البشر، على مختلف دياناتهم وألسنتهم.
تقدمت الإمارات في العمائر والطُرق. وأنت تقطع الطريق بين أبوظبي ودُبْي كأنك تقطع ما بين باريس ولندن. ومعلوم أن درجة التحضر والثقافة تُقاس إلى حد بعيد بضوابط المرور. لكن، مع ذلك لم تدعك الصحراء أن تتناساها؛ فالأسماء التي نُقشت على الطريق، والأشجار التي صفت وهي تعاند العطش، وغبرة الرمال فوق الاخضرار، تقول لك إن الأساس كان صحراء وعطشاً. ومن أول الأسماء الوفية لبيئتها الأولى العاصمة، اسمها القديم أم النار، وقيل إن صياداً اصطاد ظبياً قُرب بئر ومات فعرفت بأبو ظبي. سألتُ عن ماء الشرب؟ قيل: من البحر! ولأني ابن الماء العذب، الذي جفف في التسعينيات فمات حيوانه ونباته النادر في الدنيا، أخذني العجب أن الإنسان يحيى ويُعمر كل هذا العمران وهو يشرب من بحرٍ! أما النبات الذي مد على الطرقات فسقايته من الصرف الصحي بعد إعادة تنقيته. ومع الاستقرار التام، إلا أن أحدهم لما شعر بدهشتي من العمران قال متنهداً: لا تحسدنا، فأيدينا على قلوبنا من حرب مرتقبة بين أميركا وإيران، فنحن كما ترى عبر شاطئ الخليج منها!
صحيح ان نِعم الطبيعة، من الخصوبة والماء، مؤثرات لا تعوض في رقي العمران، لكن يبقى العقل وما يفرضه في السياسة والإدارة هو الصانع الأول. وأحسب أن العراق لو استمر بمشاريع مجلس الإعمار إبان العهد الملكي (1921-1958) لاستغنى العراقي عن دهشته وهو ينزل مطار أبوظبي، تلك المدينة الندية بألفتها، وذات العمران المتناسق، والتي لا تفرغ من نشاط علمي أو ثقافي، حتى فرضت دوليتها؛ فالبشر، مثلما رأيت، يتوافدون عليها ويتوحدون فيها بلا حواجز. حينها وجدت نفسي مستذكراً هتافات أشبعتني ضيماً وحروباً، وجففت الماء وهو يجري من عهد سومر في قنوات الأهوار، وملأت أرضي قبوراً جماعية، وأوهمتني بعظمة الشعارات مع أنها تركت الوطن حافياً عارياً.
طوال مشاهداتي في جغرافيا الإمارات لم أكف عن تذكر البصرة، وكيف تكون لو تفرغت العقول لعمرانها، وتنزهت النفوس عن الاستئثار بكل شيء. أتدرون لو ترك لنا دعاة القومية والوطنية حصة البرتغالي كولبنكيان (الخمسة في المائة) لتعمر بها العراق، وما انحطت العقول والنفوس كل هذا الانحطاط، الذي تغذيه المحاصصة الطائفية بالجهل والحرابة بين أبناء الوطن الواحد. لو أخذ (البطل القومي) له ولعائلته تسعين في المائة من الثلاثة ملايين برميل نفط يومياً، وترك العشرة الباقية، لقلنا له هنيئاً. لكنه بالبقية الباقية أخذ يستورد أدوات عذاب، ومدافع عملاقة!
أقول: كم من تقدم تشهده رمال الإمارات المتحدة، وقبلها كانت المتصالحة، يتعطش له أطيان البصرة؟ كنا نسمع أن فسائل نخلها بيعت إلى الإمارات! نعم، بعنا الفسائل واستوردنا الحنطة المسمومة، والأسلحة العملاقة! حتى وقفنا طوابير لشراء البيض، ونحن أهل الدواجن، وطوابير على شراء البنزين ونحن أهل النفط، وعطشنا ونحن أهل الماء! أتتذكرون ماذا حمل لنا الأمريكان في أول اندفاعهم عبر البصرة؟ ليس سوى قناني مياه!
سألت عن بنات نخيلنا، فقيل: أُتي بالنخيل من مختلف مزارعه ومشاتله! حتى دجنت الإمارات حوالي خمسة وعشرين صنفاً، وجعلت منه زينة وثمراً في الطرقات، رغم العطش وملوحة الأرض. وها هم العراقيون من العهدين مقيمون في ربوع الإمارات. تملكت السلطة القديمة العمائر بما استحوذت من أموال، والجديدة بما تجني من ريع المحاصصة.
أصاب الشاعر الشعبي الملا عبود الكرخي (ت 1947) بتوقعاته في قصيدة «المحالات»، إلا أنه لو كان حياً لراجع عجزه: «أيصير بدُبْي مدرسة حربية» (الديوان)، أي استحالة أن تكون مدينة! شأن قوله: «أيصير تصعد للسما بسلم درج»! قالها قبل أن تتعلم دُبْي إحالة ماء البحر إلى عذب فرات، بينما كانت البصرة وبغداد تخلعان أكفان التخلف والجهل. ولولا أنانيات وتحاسد رجال ذلك العهد ما عادتا تحنان إلى تلك الأكفان! والنتيجة، انه في الألفية الثالثة يُحرق شارع الثقافة، ويتفاضح وزير ثقافة البلاد ووكيله بين أن تكون الوزارة تكية أُصولية أو مجلساً حسينياً، ويحتل العراق ثالث دولة في الفساد المالي من 167 دولة!
لا تُغفل الفروق ما بين العراق والإمارات، في السياسة والاجتماع، إلا أن تصالح العقل والثروة يأتي بالعمران، مع اختلاف البلدان. وليس خافياً أن ما عمره العقل بالبصرة وبغداد هدمه جنون عسكرة الاقتصاد، وشدة الظلم، وليس المحاصصة الحالية أقل نذراً بالخراب!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : شؤون عربية | السمات:شؤون عربية
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























